عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

39

اللباب في علوم الكتاب

وقال ابن عطية : « يحسن دخول الفاء إذا كان سبب الإعطاء ، وكذلك ترتيب هذه ، فالمعنى إنما هو : وما أذن اللّه فيه فهو الذي أصابكم ، لكن قدم الأهم في نفوسهم ، والأقرب إلى حسّهم . والإذن : التمكين من الشيء مع العلم به » . وهذا حسن من حيث المعنى ؛ فإن الإصابة مرتبة على الإذن من حيث المعنى ، وأشار بقوله : الأهم والأقرب ، إلى ما أصابهم يوم التقى الجمعان . فصل [ في المراد بهذه الآية ] فصل ذكر في الآية الأولى أن الذي أصابهم كان من عند أنفسهم ، وذكر في هذه الآية وجها آخر ، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق ، والمراد بالجمعين هو جمع المؤمنين ، وجمع المشركين في يوم أحد . واختلفوا في المراد بقوله : فَبِإِذْنِ اللَّهِ فقيل : الإذن - هنا - عبارة عن التخلية ، وترك المدافعة استعار الإذن لتخلية الكفار ؛ لأن الآذن في الشيء لا يدفع المأذون له عن مراده . وقيل : فبعلم اللّه ، كقوله : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ [ التوبة : 3 ] وقوله : آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [ فصلت : 47 ] وقوله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ البقرة : 279 ] وطعن الواحدي في هذا بأن الآية إنما هي لتسلية المؤمنين مما أصابهم ، ولا تحصل التسلية إذا كان ذلك واقعا بعلة ؛ لأن علمه عام في جميع المعلومات . وقيل : فبأمر اللّه ؛ لقوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [ آل عمران : 152 ] والمعنى : أنه - تعالى - لما أمر بالمحاربة ، ثم أدت تلك المحاربة إلى ذلك الانهزام صح - على سبيل المجاز - أن يقال : حصل ذلك بأمره . ونقل - عن ابن عباس - أن المراد من الإذن قضاء اللّه بذلك وحكمه به . وهذا أولى ؛ لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، وبهذا تحصل التسلية . قوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ في هذه اللام قولان : أحدهما : أنها معطوفة على معنى قوله : فَبِإِذْنِ اللَّهِ عطف سبب على سبب ، فتتعلق بما تتعلق به الباء . الثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، أي : وليعلم فعل ذلك - أي : أصابكم - والأول أولى - وقد تقدم أن معنى : وليعلم اللّه كذا : أي يبيّن ، أو يظهر للناس ما كان في علمه ، وزعم بعضهم أن ثمّ مضافا ، أي : ليعلم إيمان المؤمنين ، ونفاق المنافقين ، ولا حاجة إليه . قوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا قال الواحدي : « يقال : نافق الرّجل - فهو منافق - إذا أظهر كلمة الإيمان ، وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي ، اختلف في اشتقاقه على وجوه :